عفيف الدين التلمساني

114

شرح مواقف النفري

عقله ، فلم يعتبر المواقيت ، بل إنما ينصلح حاله في المقام الذي انتهى إليه في عدم الالتفات إلى السوى بوجه من الوجوه ، فلم يتأت منه العمل الصالح ولا العلم النافع فضلا عما سواهما . قوله : ( قال لي : قد تعلم علم المعرفة وحقيقتك العلم فلست من المعرفة ) . قلت : هذا التنزل يحتاج كل أحد إليه ليعرف مراتب الناس ، وفيه الفرقان بين المحق والمبطل ممّن يدعي معرفة الحق تبارك وتعالى ، وحقيقة ذلك أن تعلم أن من نقل التوحيد نقلا عن أهله أو عن كتب أهله وهم خلق كثير فهؤلاء هم الذين علموا علم المعرفة ، إذ كل ما وصل إليهم فإنما وصل إليهم نقلا ، ولا فرق في حقيقة النقل بين من نقل أحكام المعرفة وبين من نقل أحكام العلم ، فصاحب هذا النقل يتكلم في المعرفة وحقيقته العلم ( أي حقيقة مقامه هو مقام العلم ) فليس هو إذن من المعرفة ( أي من مقام المعرفة ) وينبغي أن يعلم أن هؤلاء الموصوف حالهم لهم في هذا المقام مراتب وكلهم يجمعهم المقام فمنهم من ينقل أحكام المعرفة من أهلها ، أو من كتبهم وهو يحس بمقام المعرفة في وجوده كأنه ينظر إلى ما نقل من وراء حجاب رقيق فيصدق بذلك تصديقا تامّا ولا يقدر على جحود ما أدرك ، وهؤلاء طوائف أعني منهم المقل ومنهم المكثر ، وعلى قدر الإحساس يكون التصديق بالمعرفة . ومنهم من لا يحس بشيء من أحكام المعرفة أصلا ، وهؤلاء هم أهل مقام العلم ؛ لأن الكلام ليس هو في الجهال وإنما هو في أهل الإدراك ، فإذن هؤلاء هم أهل العلم وهم أيضا على مراتب فمنهم من هو قريب من الإحساس وهؤلاء هم الذين يسكتون عن أهل المعرفة ولا ينكرون أحوالهم ولا يعترفون بها ، وهؤلاء منهم القريب والأقرب . وسكوتهم عن الإنكار على أهل المعرفة هو على قدر قربهم من الإحساس وبعدهم منه وإن جمعهم القرب من الإحساس لكن يتفاوتون فيه ، ومنهم من لا يقرب أن يحس بمقام المعرفة وهؤلاء هم أهل الإنكار على أهل المعرفة وهم أيضا متفاوتون في ذلك : فأشدهم إنكارا هو أشدهم بعدا من مقام المعرفة وعلى حقيقة مقادير البعد يكون مقادير الإنكار ، وكل من عرف ما قلته حقيقة واعتبر حال العالم وجد ما قلته حقّا ، فإذن كلا هذين الفريقين ليسوا من أهل المعرفة .